وكالة أنباء الحوزة - عُقدت ندوة «التعلّم من إيران»، التي تناولت التأمل في الذكرى الحادية والثمانين لاستقلال جمهورية إندونيسيا وإحياء ذكرى مولد النبي محمد (ص)، في «مقهى ومتجر كتب غيراك غيريك» بمنطقة تشيبوتات في جنوب تانغيرانغ.
ونظّم الفعالية «مشروع ماندالا» بالتعاون مع رابطة خريجي كلية العلوم الاجتماعية والسياسية في جامعة UIN جاكرتا، وحملت عنواناً فرعياً هو: «الحفاظ على شعلة الاستقلال؛ استقلال بنسبة مئة في المئة».
وشارك في الندوة كلٌّ من البروفيسور خالد الوليد، أستاذ الفلسفة الإسلامية في جامعة UIN جاكرتا؛ وغوس هيري هاريانتو أزومي، المرشح لمنصب الرئيس العام لـPBNU؛ والدكتور يحيى جهانغيري، المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في إندونيسيا؛ وكياي حاج عبد الحكيم دوبوند، المفكر المسلم والأستاذ في معهد STISNU تانغيرانغ، بوصفهم متحدثين في الفعالية.
وفي مستهل الندوة، شدد يحيى جهانغيري، المستشار الثقافي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في إندونيسيا، على ضرورة التعلّم المتبادل بين الشعوب الإسلامية، قائلاً إن على الدول الإسلامية أن تتبادل فيما بينها تجاربها التاريخية والمعاصرة، ولا سيما في مجالَي الاستقلال ومكافحة الاستعمار.
وقال إن إيران وإندونيسيا تمتلكان كلتاهما تجارب مهمة ومكلفة في مسار الاستقلال ومواجهة مختلف أشكال الهيمنة، ومن ثم يمكنهما الاستفادة من تجارب بعضهما بعضاً.
وأكد جهانغيري أن عنوان «التعلّم من إيران» لا ينبغي أن يُفهم على أنه دعوة إلى تقليد نموذج معين، وإنما المقصود هو الحوار بين التجارب واستخلاص الدروس المشتركة من أجل مستقبل العالم الإسلامي.
وشدد المستشار الثقافي الإيراني، في جانب آخر من كلمته، على أن الاستقلال لا يعني فقط الاستقلال السياسي وخروج القوات الاستعمارية من أراضٍ معينة.
وأشار، في معرض حديثه عن أفكار الإمام الخميني، إلى أن الاستقلال في خطاب الثورة الإسلامية له أبعاد سياسية واقتصادية وفكرية وثقافية وروحية متعددة.
وأضاف جهانغيري أن قائد إيران الشهيد كان يعتبر الاستقلال الفكري والعلمي من القضايا الأساسية للمجتمع المستقل، وكان يرى أن دولة ما قد تكون مستقلة من الناحية السياسية، لكنها تظل تابعة في مجالات المعرفة والنماذج الفكرية والثقافة وتعريفها للتقدم.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن أسلمة العلوم والسعي إلى إنتاج معرفة تتناسب مع مبادئ المجتمعات الإسلامية واحتياجاتها يمثلان أحد الهواجس الفكرية المهمة في إيران، مشيراً إلى مفهوم «الحضارة الإسلامية الجديدة» بوصفه محاولة لتجاوز التبعية الفكرية والحضارية والوصول إلى مرحلة من الإنتاج المستقل للمعرفة والثقافة ونمط الحياة.
وخصص جهانغيري جانباً آخر من كلمته للحديث عن الأشكال الجديدة للاستعمار في عالم اليوم، وقال إن الاستعمار المعاصر لا يبدأ بالضرورة بالاحتلال العسكري أو وجود الجنود أو الاستيلاء على الأراضي، بل قد يظهر في صورة هيمنة على العقول والمعلومات والتكنولوجيا ونظم إنتاج المعرفة.
وتحدث عن ظواهر وصفها بأنها «العبودية التكنولوجية» و«العبودية المعرفية»، مضيفاً أن البشرية تواجه، في عصر الذكاء الاصطناعي، شكلاً جديداً من التبعية؛ وهي تبعية تُطرح أحياناً في ظاهرها تحت عناوين مثل حرية المعلومات، والوصول الحر إلى التكنولوجيا والتقدم التكنولوجي، لكنها قد تؤدي إلى تركّز القدرة على إنتاج المعلومات وإدارتها في أيدي عدد محدود من الفاعلين العالميين.
وأكد المستشار الثقافي الإيراني أنه إذا تحولت المجتمعات إلى مجرد مستهلكة للتكنولوجيا والبيانات والمعرفة التي ينتجها ويديرها الآخرون، فإن شكلاً جديداً من الاستعمار سيظهر؛ وهو استعمار لا يسيطر هذه المرة بالضرورة على الأرض، بل على العقول وقدرة البشر على اتخاذ القرار.
ودعا المفكرين في إيران وإندونيسيا وسائر الدول الإسلامية إلى التحسس تجاه هذا الجيل الجديد من الاستعمار، والتفكير بجدية في سبل التحرر المعرفي والاستقلال العلمي والسيادة على البيانات والتكنولوجيا.
والمكوّن الثالث الذي اعتبره الدكتور جهانغيري جديراً بالتأمل في تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو مكانة الشعب.
وقال إن مشاركة الشعب، في قاموس الجمهورية الإسلامية، لا ينبغي أن تقتصر على أيام الانتخابات، بحيث يُدعى الناس إلى المشاركة فقط وقت الاقتراع، ثم لا يُحدَّد لهم أي دور حتى موعد الانتخابات التالية.
وشدد جهانغيري على أن الشعب يجب أن يكون حاضراً في الحرب والسلام، وفي أوقات الرخاء والصعوبات، وفي الأزمات وإعادة الإعمار، وفي جميع مراحل الحياة الاجتماعية والسياسية للبلاد، وأن يعتبر نفسه جزءاً من مصير المجتمع.
وأشار، في معرض حديثه عن التجارب الأخيرة في إيران، ومن بينها دور الشعب ودعمه خلال حرب رمضان، إلى أن القوة الحقيقية لأي دولة لا تنحصر في مؤسساتها الرسمية أو قدراتها العسكرية، بل يكمن جانب مهم منها في الثقة والتضامن والحضور الدائم للشعب.
وفي ختام كلمته، قال الدكتور جهانغيري إن إندونيسيا، بوصفها أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم، وإيران، بوصفها دولة ذات تجربة طويلة في مواجهة مختلف أشكال الهيمنة والسعي إلى الاستقلال، تمتلكان قدرة مهمة على بلورة حوار فكري مشترك.
واقترح أن يجلس مفكرو البلدين معاً بصورة أكثر من ذي قبل، للإجابة عن السؤال الأساسي التالي: «ما الأشكال التي اتخذها الاستعمار في القرن الحادي والعشرين، وماذا يعني التحرر من أشكال الاستعمار الجديدة؟»
وبحسب جهانغيري، قد يكون الاستعمار اليوم سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو إعلامياً أو علمياً أو معرفياً أو تكنولوجياً أو في مجال البيانات، ولذلك ينبغي أيضاً إعادة تعريف مفهوم الاستقلال بما يتناسب مع الحقائق الجديدة للعالم.
وأكد جهانغيري أن التعاون الفكري بين إيران وإندونيسيا ينبغي ألا يقتصر على الماضي واستعراض تاريخ النضالات المناهضة للاستعمار، بل يجب أن يفضي إلى إنتاج الأفكار والحلول لتحرير الإنسان المعاصر من أشكال الهيمنة الجديدة؛ وهو ما يحمل أهمية ليس فقط للبلدين، وإنما أيضاً لمستقبل العالم الإسلامي وجميع الشعوب التي تنشد الاستقلال الحقيقي.


لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغظ هنا.
المحرر: حو
المصدر: وكالة أنباء الحوزة





تعليقك